عبد الملك الجويني
457
نهاية المطلب في دراية المذهب
ما دام بها حتى يفارقها إلى جهة سفره ، وهذا بيّن . وقال رضي الله عنه : لو خرج مكي إلى جُدّة ليعود منها ، ويخرج من مكة إلى سفر بعيدٍ ، فلا شك أنه يقصر ذاهباً إلى جُدَّة وراجعاً منها ؛ فإنه على مسيرة خمسين فرسخاً ، ثم يقصر بجُدةَ أيضاً إذا كان مقامه بها مُقامَ المسافرين . ثم إذا عاد إلى مكة وهو على ألا يمكث بها ، بل يرحل كما تقدم تصويره ، فهل يقصر بمكة في مقام المسافرين ؟ فعلى قولين للشافعي ، وهما يجريان في مثال هذه الصورة ، فكل من أنشأ سفراً من قُطرٍ ، وربط قصده بالانتهاء إلى قطر ، وكان يقع في ممره وصوبه بلدةٌ هي وطنه ومستقره ، فإذا دخلها دخول عابر ، وكان لا يقيم بها إلا مُقامَ منزل ، فهل يقصر في تلك البلدة ، وهي وطنه ؟ فعلى قولين ، ولعلّ أقيسَهما أنه يقصر ؛ بناء على حكم قصده في سفرته هذه . والثاني - أنه لا يقصر ؛ فإنه في محل إقامته ، فينافي ذلك رخصَ المسافرين في ظاهر الحال . وهذا بعيد لا يتجه في القياس ؛ فإن التعويل في أحكام السفر على ملابسة السفر والقصد ، والرجل مسافر مستمر على حكم قصده ، ولو كان سفره ينقطع بانتهائه إلى وطنه ، للزم أن يقال : إذا برز منها ، آمّاً مقصده في سفره ، يكون مبتدئاً سفراً ، حتى لو كانت المسافة بين بلدته وبين منتهى سفره أقل من مرحلتين ، لا يقصر ، كما لو نوى الإقامة ، ثم أنشأ سفراً [ وهذا وإن كان قياس هذا القول ، فما عندي أن أحداً يجترىء على التزامه ، وركوبه ] ( 1 ) والله أعلم . فهذا سَوْقُ ما ذكره الصيدلاني . 1319 - وفي هذا الفصل مباحثة لا بد من تدبّرها فأقول : من خرج من وطنه مثلاً ، قاصداً موضعاً ، وكانت المسافة مرحلة وقد قصد أن يؤوب ، ولا يقيمَ في مقصد سفره ، إلا مُقامَ المسافرين ، فهذا لا يقصر ذاهباً ولا جائياً ، ولا في مقصد سفره ، وإن كان في حكم مقصده أن يطوي مرحلة ذاهباً ، ومرحلة أخرى راجعاً ، وناله في ذهابه ومجيئه من المشقات ما ينال قاطعَ مرحلتين متواليتين في صوب واحد ، ولكن
--> ( 1 ) زيادة من ( ت 1 ) . وتأمل كلمة ( ركوبه ) فهي من ارتكاب المجادل إلزامات مُناظره .